النَّذر ما يبتغي به وجه الله:
سُئِلَ-صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- عن امرأةٍ نذرتْ أنْ تمشيَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ حافيةً غيرَ مُختمرةٍ، فأمرَها أنْ تركبَ وتختمرَ وتصومَ ثلاثةَ أيامٍ، ذَكَرَهُ أحمدُ.
[ورواه النَّسائيُّ في "السُّنن الكُبرى":كتاب النُّذُور، باب النهي عن النَّذر (4575)(1/136)، وضَعَّفَهُ الألبانيّ في "ضعيف النَّسائيّ"، برقم(245)] .
وفي الصَّحيحينِ عن عُقبةَ بن عامرٍ, قال: نذرتْ أُختي أنْ تمشيَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ حافيةً، فأمرتني أنْ استفتيَ لها رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-، فاستفتيته، فقال:
(لتمشِ ولتركبْ).
[البُخاريّ مع الفتحِ: كتاب أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب مَن نذر المشيَ إلى الكعبة، رقم الحديث(1866)(4/94)].
وعندَ الإمامِ أحمدَ أنَّ أخت عُقبةَ نذرتْ أنْ تَحُجَّ ماشيةً، وأنَّها لا تطيقُ ذلكَ، فَقَالَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-:
"إنَّ الله لغنيٌّ عن مشي أختِكِ، فلتركبْ ولتُهْدِ بَدَنةً".
[سنن أبي داود: كتاب الأيمان والنُّذُور، باب مَن رأى عليه كفارة إذا كانَ في معصية،وصححه الألبانيُّ في "صحيح أبي داود"، برقم (3303)(2825) ].
ونظرَ3 وهو يخطبُ إلى أعرابيٍّ قائمٍ في الشَّمسِ، فقالَ: ما شأنُكَ؟ قالَ: نذرتُ أنْ لا أزالَ في الشَّمسِ حَتَّى يفرغَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- من الخُطبةِ، فَقَالَ رسولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-:
"ليسَ هذا نذراً، إنَّما النَّذرُ فيما ابتُغي به وجه اللهِ"
ذَكَرَهُ أحمدُ.
[رواه أحمدُ في مُسندِهِ (2/211),وقال الألبانيُّ -في "التعليقات الرضية"-: إسنادُهُ حَسَنٌ (11/3)]
ورأى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- شيخاً يُهَادَى4 بين ابنيهِ، فقالَ:
"ما بالُ هذا؟"
فقَالُوا: نذرَ أنْ يمشيَ، فقالَ:
"إنَّ الله لغنيٌّ عن تعذيبِ هذا نفسَهُ, وأَمَرَهُ أنْ يركبَ"
متفق عليه.
[البُخاريُّ مع الفتح: كتاب الأيمان والنُّذُور، باب النَّذر فيما لا يملك وفي المعصية، رقم الحديث(6701)(11/594)].
ونظر إلى رجلينِ مقترنينِ يمشيانِ إلى البيتِ، فقالَ:
"ما بالُ الْقِرَان؟"
قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ, نذرنا أنْ نمشيَ إلى البيتِ مُقترنينِ، فقالَ:
"ليسَ هذا نذراً، إنَّما النَّذر فيما ابتُغي به وجه اللهِ"
ذَكَرَهُ أحمدُ.
[رواه أحمد في مسنده (2/211) وقال البنا -في "الفتح الرباني"-: "لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وقال الحافظ: رواه أحمدُ والفاكهيُّ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن(الفتح الرباني بشرح مسند أحمدَ الشيباني ج14،ص 190)].
من نذر أن يصوم ثم مات قبل الوفاء بنذره:
سألتْهُ -صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- امرأةٌ، فقالتْ: إنَّ أُمِّي تُوفِّيتْ وعليها نذرُ صيامٍ فتُوفِّيتْ قبل أنْ تقضيَهُ، فقالَ:
"ليصم عنها الوليُّ"
ذَكرهُ ابنُ ماجه.
[سنن ابن ماجه: كتاب الكفارات، باب مَن مات وعليه نذرٌ، وقالَ الألبانيُّ -في "صحيح ابن ماجه"-: (صحيح) رقم(2133) (1735)].
وقد صَحَّ عنه أنَّهُ قالَ:
" من مات وعليه صيام ، صام عنه وليه".
[البُخاريّ مع الفتح:كتاب الصوم، باب مَن مات وعليه صومٌ، رقم الحديث(1952)(4/226-227)].
فطائفةٌ حملتْ هذا على عمومِهِ وإطلاقِهِ، وقالتْ: يُصام عنه النَّذر والفرضُ، وأبت طائفةٌ ذلك، وقالت : لا صيامَ عنه نذر ولا فرض. وفصلت طائفة فقالت: يصام عنه النَّذر دون الفرض الأصلي، وهذا قول ابن عَبَّاس وأصحابه والإمام أحمد وأصحابه، وهو الصَّحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى الصَّلاة ، وأما النَّذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين. فيقبل قضاء الولي له كما يقضى دينه، وهذا محض الفقه، وطرد هذا أنَّهُ لا يحج عنه ولا يزكى عنه إلا إذا كانَ معذوراً بالتأخير، كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر، فأما المفطر من غير عذر أصلاً فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله –تعالى- التي فرط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحاناً دون الولي، فلا تنفع توبةُ أحدٍ عن أحدٍ، ولا إسلامُهُ عنه ، ولا أداءُ الصَّلاة عنه، ولا غيرها من فرائضِ اللهِ –تعالى- التي فَرَّطَ فيها حَتَّى ماتَ، واللهُ أعلمُ.
